post Image
19
November
2020

وصم علماء السعودية للإخوان بـ"الإرهاب".. مغزى التوقيت والهدف؟

 

 

صنعاء (أوام) نقلا عن موقع Deutsche Welle))-

بيان شديد اللهجة لهيئة كبار العلماء السعودية، وجهت فيه اتهامات متعددة لجماعة الإخوان. يأتي ذلك قبيل انعقاد قمة العشرين في السعودية، لكنه يتزامن مع ملاحقات واتهامات للجماعة في أوروبا، وقبيل انتقال السلطة في البيت الأبيض.

 

   

تزامن بيان هيئة علماء المسلمين السعودية مع تغييرات كبيرة تجري داخل المجتمع السعودي وأحداث عنيفة وقعت في أوروبا

 

بيان شديد اللهجة أصدرته هيئة كبار العلماء السعودية أعلى هيئة دينية في البلاد، وصف فيه جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لاتمثل منهج الإسلام وإنما غايتها الوصول إلى الحكم، و "تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي الاسلام، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب".

البيان أكد أيضاً أن "هذه الجماعة منحرفة، قائمة على منازعة ولاة الأمر والخروج على الحكام، ولم يظهر منها عناية بالعقيدة الإسلامية، ولا بعلوم الكتاب والسنة، وإنما غايتها الوصول إلى الحكم".

 

كما نشر حساب تويتر الرسمي لمفتي السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء، والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، إن "جماعة الإخوان لا تمت للإسلام بصلة وانها جماعة ضالة، استباحت الدماء، وانتهكت الأعراض، ونهبت الأموال ".

 

يذكر أن الحكومة السعودية كانت قد أعلنت السعودية رسميا في 2014 أن جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا ضمن أول قائمة من نوعها تضم عددا من المنظمات داخل وخارج المملكة.

 

"الإخوان" تنفي الاتهامات

 

من جانبه، قال الدكتور طلعت فهمي المتحدث باسم جماعة الإخوان إن "الجماعة دعوية إصلاحية وليست إرهابية وان الجماعة التي تأسست في مصر عام 1928 بعيدة كل البعد عن العنف والإرهاب وتفريق صف الأمة وهي منذ نشأتها جماعة دعوية إصلاحية تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة دون إفراط أو تفريط" وشدد على أن "الجماعة ظلت منحازة للعقيدة الإسلامية الصحيحة وقضايا الأمة العادلة، وأولها قضية فلسطين".

 

 

وأكد فهمي أن الجماعة "تنفي كل الاتهامات التي ساقتها هيئة كبار العلماء السعودية ضدها، وأن منهجها تأسس على كتاب الله وصحيح السنة دون شطط أو تطرف، وتاريخها يشهد بذلك".

 

دلالة توقيت بيان هيئة كبار العلماء

 

جاء بيان الهيئة الاسلامية السعودية متزامناً مع ما تواجهه السعودية - وهي أول دولة عربية تستضيف قمة مجموعة العشرين نهاية الأسبوع الحالي-  من انتقادات حادة على خلفية سجلها في مجال حقوق الإنسان قبيل انطلاق الاجتماعات، رغم الاصلاحات التي أقدمت عليها في السنوات الماضية.

 

كما تزامن البيان السعودي مع حملة أوروبية مكثفة لتضييق الخناق على تيار الإسلام السياسي . ففي ألمانيا دعا 16 عالما وممثلا للمجتمع المدني وسياسيا في التحالف المسيحي، المنتمية إليه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسما ضد الإسلام السياسي في ألمانيا بعد الهجوم الإسلاموي في مدينة نيس الفرنسية. وكتب الموقعون على بيان نشرته صحيفة "فيلت" الألمانية إن الإسلام السياسي يتجذر بشكل متزايد داخل جاليات إسلامية أوروبية.

 

أما في النمسا فهناك تحرك لحظر نشاط كافة تيارات الإسلام السياسي  بما فيها جماعة الاخوان، إذ وافق مجلس الوزراء النمساوي برئاسة المستشار سيباستيان كورتس على استحداث جريمة جنائية تسمى الإسلام السياسي "حتى نتمكن من اتخاذ إجراءات ضد أولئك الذين ليسوا إرهابيين، لكنهم يخلقون أرضية خصبة لهم".

 

خطوات قوية تتخذها النمسا للحد من نشاط تيار الإسلام السياسي بها

 

وشنت السلطات النمساوية في التاسع من الشهر الحالي حملة مداهمات استهدفت أشخاصا وجمعيات مشتبه في علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين ومنظمة حماس الفلسطينية. وتجري التحقيقات بشأن الاشتباه في تأسيس تنظيم إرهابي، وتمويل الإرهاب، وصلات مناهضة للدولة، وتنظيم إجرامي، وغسيل الأموال، حسب السلطات النمساوية، التي لم تربط بين هذه الحملة ضد الإخوان وإعتداء فيينا.

 

ويرى هاني نقشبندي الإعلامي والروائي السعودي أن توقيت البيان السعودي قد يكون له أسباب كثيرة منها السياسي والأمني والديني، "فهناك من يربط الأمر بنتائج الانتخابات الأمريكية ووقوع الهجوم على مقبرة غير المسلمين في السعودية أو أحداث فرنسا والنمسا لكن رأيي الشخصي أن بيان هيئة العلماء غير مرتبط بأي شيء من هذه الأحداث لأن هذه المواجهة بين السلطات والتيارات الدينية هي حلقة في مسلسل طويل عمره خمس سنوات"، بحسب ما قال في حواره مع DW عربية.

 

رسالة سعودية للداخل والخارج؟

 

كثيراً ما وجه اللوم والانتقاد الى السعودية لتبنيها النهج السلفي الوهابي المتشدد والمنغلق والذي صبغ كافة مناحي الحياة على مدار عقود باتفاق بين السلطة السياسية والدينية لإدارة البلاد.

 

لكن هذا الاتفاق والذي كان أشبه بالزواج بدا اليوم وكانه في المراحل الأخيرة للطلاق البائن من جانب القيادة السياسية السعودية، وذلك بحسب ما يرى الدكتور محمد ظريف الباحث في جامعة الدار البيضاء في المغرب، والمختص في شؤون الجماعات الإسلامية.

 

ويضيف الخبير المغربي في حوار مع DW عربية أن البيان السعودي هو عبارة عن "رسالة موجهة للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق باستعداد المملكة للتعاون مع الأوروبيين لمواجهة ما يسمى بالإسلام السياسي، فالسعودية التي كانت دائماً تتهم بأنها تمول التطرف وتشجع الجماعات الإسلامية، هي الآن تضع مسافة واضحة بينها وبين هذه الجماعات في رسالة للسلطات الأوروبية".

 

وأضاف ظريف أن بيان هيئة كبار العلماء السعودية في الوقت نفسه هو "إعلان لموقف كان متخذاً من قبل ويتمثل في اعتبار الإخوان جماعة إرهابية وهو الموقف الذي يتماهي مع مواقف لدول غربية كما أن البيان يتضمن رسالة أخرى على التغير الكبير الحادث في داخل المجتمع السعودي".

 

ويرى الخبير المغربي في شؤون الجماعات الإسلامية إن هناك دولاً أوروبية تتعامل اليوم بشكل سلبي مع تيار الاسلام السياسي لكن يتحفظ بعضها على تصنيف الإخوان  كجماعة إرهابية لأسباب أمنية، "بمعنى أن كثير من السلطات الأوروبية تتعاون مع الإخوان على مستوى جمع المعلومات".

 

وأضاف "يمكننا القول إن الإخوان المسلمين في أوروبا يلعبون دوراً على الأقل في الحفاظ على بعض الهدوء والتحكم في بعض الأوضاع من خلال السيطرة على بعض المساجد، بالتالي فالدول التي رفضت اعتبار الإخوان جماعة إرهابية لاينبغي اعتبار رفضها ذلك هو تسليم بحقيقة أن الإخوان ليست جماعة إرهابية وإنما فقط لأنها تستفيد الآن من خدمات هذه التنظيمات المرتبطة أو المحسوبة على جماعة الاخوان".

 

أما هاني نقشبندي الإعلامي والروائي السعودي فيرى أنه تم تقليم أظافر أغلب تيارات الإسلام السياسي بمختلف توجهاتها من القاعدة إلى داعش وغيرها وأن من تبقى في الصورة هي أقدم تلك الجماعات وهي الإخوان المسلمين وكان لابد وأن يحين دورها في يوم ما.

 

ويضيف نقشبندي في حوار مع DW عربية أن "جماعة الإخوان على درجة عالية من التنظيم بما يخيف الكثير من الأنظمة سواء العربية أو غير العربية، ما جعل المجتمع الدولي يؤيد الخطوة السعودية، خاصة وأنهم ربما لا يعرفون جماعة الإخوان كما تعرفها السعودية أو المجتمعات العربية أو مصر لكنها تعرف أن هناك خطر في التشدد أياً كان مسماه سواء ديني أو سياسي".

 

تحسين للصورة

 

وتحاول السعودية منذ فترة النأي بنفسها عن التيار الديني المتشدد، واتخذت في هذا السياق عدة خطوات أدت إلى تحجيم دور المؤسسة الدينية بشدة وخاصة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اصبحت هي والعدم سواء – بحسب وصف هاني نقشبندي الإعلامي والروائي السعودي.

 

ويضيف نقشبندي أنه "حتى لو اعتبر البعض أن الخطوة سياسية هدفها إعطاء صورة جيدة عن المجتمع السعودي فما العيب في ذلك؟ فمن حق السعودية أن تؤكد للعالم أنها تنطلق إلى وضع سياسي وديني واجتماعي أفضل، صحيح هناك انتقادات فيما يتعلق بالمعتقلين أو المحتجزين، لكن أيضاً هناك خطوات إيجابية جيدة فيما يتعلق بتحجيم دور المؤسسات الدينية ورموزها، وهذا ما يوضح سبب الترحيب الدولي بخطوة اعتبار الإخوان جماعة إرهابية".

 

وييرى نقشبندي الأمر من سياق الانفتاح الحادث في السعودية "إذ كانت السعودية تتعرض لكثير من الضغوط الدولية بسبب الانغلاق وإطلاق يد التيار الديني، فكأن السعودية اليوم تحاول توصيل رسالة بأنها بدأت في التغيير وتسعى للانفتاح، وهذه خطوة نحو مجتمع أكثر حداثة بل وربما التحول إلى مجتمع شبه علماني.. ولم لا؟ هذا الشيء تحتاجه السعودية إن أرادت الخروج من العباءة الدينية التي طالما ارتدتها على مدار عقود".

 

ويتفق الدكتور محمد ظريف الخبير المغربي المختص في شؤون الجماعات الإسلامية مع تلك الرؤية، مضيفاً أن البيان السعودي يمكن من خلاله رصد رسالة أخرى تمهد للانتقال إلى مرحلة جديدة من التعايش بين الأديان ويمكن قراءة تلك الرسالة من ردود الفعل الإيجابية لإسرائيل على بيان هيئة كبار العلماء.

 

 

 

 خطوة استباقية

 

ويربط آخرون توقيت البيان السعودي بقرب تسلم الرئيس الأمريكي الديمقراطي المنتخب جو بايدن مقاليد الحكم، إذ تخشى السعودية وغيرها من الدول العربية التي تتعامل بقوة مع جماعات الإسلام السياسي لديها من ضغوط الديمقراطيين في ملف انتهاكات حقوق الانسان بتلك الدول، بما قد يخفف من قبضتها على الإسلام السياسي بداخلها، وأن البيان السعودي جاء استباقاً لأي ضغوط قد تمارسها الإدارة الإمريكية الجديدة عليها أو على دول أخرى كالإمارات أو مصر التي خرج إعلامها برسائل تتضمن هذا المحتوى وهذا القلق:

 

 

 

لكن الإعلامي والروائي السعودي هاني نقشبندي يرى أن الخطوة السعودية الأخيرة لا علاقة لها بما يحدث في الولايات المتحدة سيما وأن الموقف السعودي رحبت به الكثير من الدول خاصة اوروبا التي عانت كثيراً من التطرف الديني الإسلامي، حسب قوله.

 

وأضاف نقشبندي أن الادارة الامريكية جزء من المنظومة الدولية وبايدن في نهاية المطاف لن يتعاطف مع الإخوان أو يكون ضدهم بناء على القرار السعودي بقدر ما سيبنيه على ما هو مفيد للمصالح الأمريكية وإلى أين تسير هذه المصالح، مشيراً إلى أن الرؤية اليوم ضبابية ليس فقط في مسألة الإخوان في نظر الإدارة الجديدة، بل فيما يتعلق ببايدن نفسه الذي لم يعلن فوزه رسمياً ولم يتسلم بعد مقاليد الحكم.

 

واختتم الإعلامي والروائي السعودي حديثه بالقول إنه من المبكر جداً الحكم على تصرفات بايدن الآن، لكنه بالتأكيد لن يكون أبداً متعاطفاً مع الإخوان ولو لم يتخذ خطوات حادة، كما أن واشنطن ليست اليوم على استعداد مطلقاً أن تفتح على نفسها باب يهاجمها من خلاله العالم كله إن هي تعاطفت مع الإخوان أو أي تيار إسلامي فيما العالم يشكو من التطرف الديني، بخلاف أن أمريكا نفسها كثيراً ما طالبت السعودية بتخفيف تأييدها للتيارات الدينية والتأثير الديني.